ابن كثير

207

البداية والنهاية

ذلك قال : إنا لله وإنا إليه راجعون ، ولم تحمله رجلاه حتى أخذوا بضبعيه فأصعدوه على المنبر ، فسكت حينا ، فقال رجاء بن حياة : ألا تقوموا إلى أمير المؤمنين فتبايعوه ، فنهض القوم فبايعوه ، ثم أبى هشام فصعد المنبر ليبايع وهو يقول : إنا لله وإنا إليه راجعون ، فقال عمر : نعم ! إنا لله وإنا إليه راجعون الذي صرت أنا وأنت نتنازع هذا الامر . ثم قام فخطب الناس خطبة بليغة وبايعوه ، فكان مما قال في خطبته : أيها الناس ، إني لست بمبتدع ولكني متبع ، وإن من حولكم من الأمصار والمدن إن أطاعوا كما أطعتم فأنا واليكم ، وإن هم أبوا فلست لكم بوال ( 1 ) ، ثم نزل ، فأخذوا في جهاز سليمان ، قال الأوزاعي : فلم يفرغوا منه حتى دخل وقت المغرب ، فصلى عمر بالناس صلاة المغرب ، ثم صلى على سليمان ودفن بعد المغرب ، فلما انصرف عمر أتي بمراكب الخلافة [ فأبي أن يركبها ] وركب دابته وانصرف مع الناس حتى أتوا دمشق ، فمالوا به نحو دار الخلافة فقال : لا أنزل إلا في منزلي ( 2 ) حتى تفرغ دار أبي أيوب ، فاستحسنوا ذلك منه ، ثم استدعى بالكاتب فجعل يملي عليه نسخة الكتاب الذي يبايع عليه الأمصار ( 3 ) ، قال رجاء : فما رأيت أفصح منه . قال محمد بن إسحاق : وكانت وفاة سليمان بن عبد الملك بدابق من أرض قنسرين يوم الجمعة لعشر ليال خلت من صفر ستة تسع وتسعين ، على رأس سنتين وتسعة أشهر وعشرين يوما من متوفى الوليد ، وكذا قال الجمهور في تاريخ وفاته ، ومنهم من يقول : لعشر بقين من صفر ، وقالوا : كانت ولايته سنتين وثمانية أشهر ، زاد بعضهم إلا خمسة أيام والله أعلم . وقول الحاكم أبي أحمد : إنه توفي يوم الجمعة لثلاث عشر بقين من رمضان سنة تسع وتسعين ، حكاه ابن عساكر ، وهو غريب جدا ، وقد خالفه الجمهور في كل ما قاله ، وعندهم أنه جاوز الأربعين فقيل بثلاث وقيل بخمس والله أعلم . قالوا : وكان طويلا جميلا أبيض نحيفا ، حسن الوجه ، مقرون الحاجبين ، وكان فصيحا بليغا ، يحسن العربية ويرجع إلى دين وخير ومحبة للحق وأهله ، واتباع القرآن والسنة ، وإظهار الشرائع الاسلامية رحمه الله ، وقد كان رحمه الله إلى علي نفسه حين خرج من دمشق إلى مرج دابق - ودابق قريبة من بلاد حلب - لما جهز الجيوش إلى مدينة الروم العظمى المسماة بالقسطنطينية ، أن لا يرجع

--> ( 1 ) قال في مروج الذهب 3 / 226 : وخطب في بعض مقاماته فقال : . . . وذكر هذه الخطبة . وذكر لعمر بن عبد العزيز خطبة أخرى قال : ولما أفضى الامر إليه كان أول خطبة خطب الناس بها أن قال : ج 3 / 225 - 226 وذكر صاحب العقد كلاما مختلفا انظر 3 / 143 . وانظر صفوة الصفوة 2 / 114 . ( 2 ) في هامش المطبوعة : كان منزله في موضع مدرسة السميساطية الآن مما يلي باب مسجد بني أمية الشمالي . أما قصر الخلافة الذي يسمى ( الدار الخضراء ) فكان وراء الجدار القبلي من مسجد بني أمية . ويسمى موضعه الآن ( المصبغة الخضراء ) . ( 3 ) انظر نسخة الكتاب - وهي نسخة واحدة إلى عماله - في ابن الأثير 5 / 66 .